الشيخ محمد علي طه الدرة

453

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

السابقة . وقيل : هو عام في الجهاد ، وغيره . وهو الحقّ ، انظر شرح : سَبِيلِ اللَّهِ في الآية [ 190 ] وَلا تُلْقُوا : الإلقاء : هو الطرح ، والرمي . وقيل : معناه هنا : ولا تفضوا . بِأَيْدِيكُمْ أي : بأنفسكم هكذا فسر . وقيل : الباء سببية ، والمفعول محذوف ، أي : ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم . وانظر شرح ( اليد ) في الآية رقم [ 79 ] . التَّهْلُكَةِ مصدر : هلك بكسر اللام ، وهو مثل الهلك ، والهلاك ، والهلوك ، فهذه كلها مصادر له ، هذا معنى : وَلا تُلْقُوا . . . إلخ ؛ أي : بالإسراف في الإنفاق ، وتضييع الزوجة ، والأولاد ، والدستور في ذلك - وهو مما نفخر ، ونعتز به - قوله تعالى في سورة ( الإسراء ) رقم [ 29 ] : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً . وقوله تعالى في سورة ( الفرقان ) رقم [ 67 ] : وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً . وَأَحْسِنُوا . . . إلخ ؛ أي : في جميع أعمالكم ، وأقوالكم ، وأخلاقكم ؛ حتّى يحبّكم اللّه ، وتكونوا من أوليائه المقرّبين . هذا ؛ ومضمون الآية وفحواها الأمر بالإنفاق في سبيل اللّه في سائر وجوه القربات ، ووجوه الطاعات ؛ وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء ، وبذلها فيما يقوّي المسلمين على أعدائهم ، والإخبار عن ترك ذلك بأنّه هلاك ، ودمار لمن لزمه ، واعتاده . ثم عطف الأمر بالإحسان ، وهو أعلى مقامات الطاعة ، ولما سئل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عن الإحسان قال : « الإحسان أن تعبد اللّه كأنّك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك » . هذا ؛ وقال ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - : أنفق في سبيل اللّه ، وإن لم يكن إلا سهم ، أو مشقص ، لا يقولنّ أحدكم : لا أجد شيئا . ونحوه عن السّدّي - رحمه اللّه تعالى - : أنفق ولو عقالا ، ولا تلق بيدك إلى التهلكة ، فتقول : ليس عندي شيء . فائدة : روي : أنّ رجلا من المسلمين حمل على جيش الروم في خلافة الفاروق حتى دخل فيهم ، فصاح الناس : سبحان اللّه ! ألقى بيديه إلى التهلكة ، فقال أبو أيوب الأنصاري - رضي اللّه عنه - : إنّما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار حين أعزّ اللّه الإسلام ، وكثر ناصروه ، فقلنا : لو أقمنا في أموالنا ، فأصلحنا ما ضاع منها . فنزلت الآية ، فكانت التهلكة : الإقامة على الأموال ، وإصلاحها ، وترك الجهاد في سبيل اللّه . أخرجه أبو داود ، والترمذي ، والنّسائي . فما زال أبو أيوب - رضي اللّه عنه - شاخصا في سبيل اللّه حتى استشهد ، ودفن بأرض الروم ، وكان ذلك تحت إمرة يزيد في عهد معاوية . فعن البراء بن عازب - رضي اللّه عنه - قال له رجل : يا أبا عمارة ! قوله تعالى : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ أهو الرجل يلقى العدو ، فيقاتل ؛ حتى يقتل ؟ قال : لا ، ولكن هو الرجل يذنب الذّنب ، فيقول : لا يغفره اللّه . رواه الحاكم موقوفا ، وقال : صحيح على شرط الشّيخين ، وانظر الآية رقم [ 29 ] من سورة ( النساء ) فالمعنى متشابه . الإعراب : وَأَنْفِقُوا : الواو : حرف عطف . ( أَنْفِقُوا ) : فعل أمر مبني على حذف النون ، والواو فاعله ، والألف للتفريق ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها ، لا محل لها أيضا ،